السيد نعمة الله الجزائري

139

الأنوار النعمانية

نور في الصبر وأقسامه ومحاله وفوائده وما يتعلق به من المناسبات اعلم وفقك اللّه تعالى ان القرآن والحديث قد اكثرا مدحه حتى أنه سبحانه وصف الصابرين بأوصاف وذكر الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعا وأضاف أكثر الخيرات والدرجات إلى الصبر وجعلها ثمرة له فقال عز وجل وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لما صبروا وقال وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وقال إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ إلى غير ذلك من الآيات ، وقال الصادق عليه السّلام الصبر من الأيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الأيمان وقال عليه السّلام إذا دخل المؤمن قبره كانت الصلاة عن يمينه والزكاة عن يساره ، والبر مظل عليه ، ويتنحى الصبر ناحية ، فإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مسائلته قال الصبر للصلاة والزكاة والبر دونكم صاحبكم فإن عجزتم عنه فانا دونه وروى عنه صلّى اللّه عليه وآله أنه قال الصبر ثلاثة : صبر عند المصيبة ، وصبر على الطاعة ، وصبر عن المعصية فمن صبر عند المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب اللّه له ثلاثمائة درجه ، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض ، ومن صبر على الطاعة كتب اللّه له ستمائة درجة ، وما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش ، ومن صبر عن المعصية كتب اللّه له تسعمائة درجة وما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش ، وقال الصادق عليه السّلام انا صبرنا وشيعتنا أصبر منا ، قيل له كيف صار شيعتكم أصبر منكم ؟ قال لأنا نصبر على ما نعلم وشيعتنا يصبرون على ما لا يعلمون ، وقال صلّى اللّه عليه وآله الصبر نصف الإيمان ، فان قلت ما معنى كونه نصف الايمان ؟ قلت قد ذكر له الغزالي في إحيائه وجهين الأول ان الايمان يطلق على التصديقات والأعمال جميعا فيكون للإيمان ركنان أحدهما اليقين والآخر الصبر ، والمراد باليقين المعرف القطعية ، والمراد بالصبر العمل بمقتضى اليقين ، إذ اليقين يعرّفه انّ المعصية ضارة والطاعة نافعة ولا يمكن ترك المعصية والمواظبة على الطّاعة الّا بالصبر فيكون الصبر نصف الأيمان بهذا الاعتبار ، ولهذا جمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم بينهما فقال من اقلّ ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر . الوجه الثاني ان يراد من الأيمان ما ينفع في الدنيا والآخرة أو يضر فيهما وله بالإضافة إلى ما يضرّه حال الصبر وبالإضافة إلى ما ينفعه حال الشكر ، فيكون الشكر أحد شطري الأيمان بهذا الاعتبار كما كان اليقين أحد الشطرين بالاعتبار الأول ، وبهذا النّظر قال بعض الصحابة الأيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر ، ولمّا كان الصبر صبرا عن بواعث الهوى بثبات باعث الدين وكان باعث الهوى قسمين باعث من حيث الشهوة ، وباعث من جهة الغضب ، والشهوة لطلب